مفارقة موهبة حقيقية
لبيروت مكانة حقيقية بصفتها أحد أكثر مراكز الإبداع والعلامات التجارية تأثيرًا في العالم العربي. بنت وكالة Leo Burnett Beirut سمعة قوية كفاية لتُرسل مديرين إبداعيين لبنانيين إلى مناصب قيادية في وكالات دبي ولندن ونيويورك، ولا تزال الكفاءات المدرَّبة في لبنان تشغل حصة كبيرة من المناصب الإبداعية العليا في قطاع الإعلان بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه السمعة تجعل من السهل افتراض أن قطاع العلامات التجارية اللبنانية، ككل، في وضع قوي.
لكن الفجوة الحقيقية تكمن بين الموهبة المُصدَّرة والاستثمار المحلي. السوق نفسه الذي يُخرّج مديرين إبداعيين معترفًا بهم دوليًا، يملك أيضًا واحدًا من أدنى معدلات تسجيل العلامات التجارية رسميًا في المنطقة، وقطاعًا خاصًا حيث حصة متزايدة من النشاط التجاري لا تصل أبدًا إلى درجة من الرسمية تبرر بناء هوية علامة تجارية حقيقية أصلًا. الأمران صحيحان في آن واحد، والثاني هو الموضوع الفعلي لهذا الدليل.
أوضح دليل: قلة العلامات التجارية التي تُسجَّل فعليًا
أوضح دليل قابل للقياس على ضعف الاستثمار في العلامات التجارية الرسمية هو تسجيل العلامات التجارية، وهو يأتي من منظمة الويبو (WIPO)، المنظمة العالمية للملكية الفكرية، لا من ادعاءات داخلية لأي وكالة. في 2024، سجّل لبنان 2,033 طلب تسجيل علامة تجارية في مكتب الملكية الفكرية الوطني، ليحتل المرتبة 125 عالميًا. الأردن، الذي يملك ضعف عدد سكان لبنان تقريبًا، سجّل 10,627 طلبًا، أي أكثر من خمسة أضعاف. أما الإمارات، السوق الذي تهاجر إليه الكفاءات اللبنانية بكثرة للعمل، فسجّلت 41,150 طلبًا.
ويزداد المشهد سوءًا عند النظر إلى الاتجاه العام لا الرقم اللحظي فقط. تُظهر بيانات الويبو الممتدة على عقد كامل أن طلبات تسجيل العلامات التجارية اللبنانية تراجعت من 2,194 طلبًا في 2015 إلى 792 طلبًا فقط في 2016، وحتى التعافي الجزئي إلى 1,299 طلبًا لبنانيّ المنشأ بحلول 2024 لا يزال أدنى بنحو 41% من مستوى 2015. طلبات براءات الاختراع تسلك المسار نفسه: من 149 طلبًا في 2015 إلى 31 طلبًا فقط في 2022. العلامة التجارية التي لم تُسجّلها الشركة رسميًا هي علامة لا تملكها بالكامل، لا قانونيًا ولا استراتيجيًا، وهذه الأرقام تشير إلى أن هذا هو الوضع الفعلي لمعظم الشركات اللبنانية.
لماذا يُتجاهَل بناء العلامة التجارية الرسمي
هذه ليست فجوة معرفية بالدرجة الأولى، بل فجوة اقتصادية. وجد تقرير البنك الدولي لمراقبة الاقتصاد اللبناني لربيع 2023 أن الاقتصاد غير الرسمي في لبنان، القائم على النقد والدولرة، نما من 26.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2021 إلى 45.7% منه، أي نحو 9.9 مليار دولار، بحلول 2022، وسمّى التقرير صراحة تنامي القطاع غير الرسمي عائقًا رئيسيًا أمام التعافي. الشركة التي تعمل بشكل شبه كامل بالنقد، خارج التسجيل الرسمي، لا تجد سببًا عمليًا كبيرًا للاستثمار في هوية مسجَّلة أو نظام بصري مدروس: فمعظم فوائد بناء العلامة التجارية الرسمي تعود على الشركات التي تخطط للتوسع أو جمع التمويل أو الدفاع عن اسمها قانونيًا، ولا شيء من هذا ينطبق ما دامت الشركة نفسها غير رسمية بالكامل.
وجدت مراجعة الإسكوا (ESCWA) للقطاع الخاص الرسمي في لبنان أن مبيعات القطاع الرسمي تراجعت بنحو 45% في 2020 وحدها، مع تسريح ما يقارب ربع الموظفين بدوام كامل في القطاعات الرئيسية في تلك السنة. الشركات المنشغلة بالنجاة من انكماش بهذا الحجم لا تُعطي، بشكل مفهوم، أولوية لاستراتيجية العلامة التجارية. النتيجة العملية هي سوق يُعامَل فيها بناء العلامة التجارية كمصروف اختياري للسنوات الجيدة، لا كبنية تحتية تبنيها الشركة مرة واحدة وتحافظ عليها.
غائب عن الأطر التي يستخدمها المشترون فعليًا
تقرير Brand Finance نفسه لقيمة العلامات الوطنية لعام 2025، المرجع السنوي المعياري في القطاع لقياس القيمة الاقتصادية لسمعة الدول، لا يذكر لبنان في أي مكان ضمن تحليله لنحو 70 علامة وطنية يتتبعها. هذا الغياب دليل بحد ذاته: تجد الشركات الفردية صعوبة أكبر في بناء علامات تجارية قوية عندما لا تظهر علامة بلدها الوطنية في الأطر التي يستخدمها فعليًا المشترون والمستثمرون والشركاء الدوليون للحكم على الأسواق غير المألوفة.
يتداول بعض الإعلام الإقليمي رقمًا محددًا يضع لبنان في المرتبة "122" ضمن مؤشر أحدث لـ Brand Finance، لكن تعذّر التحقق من هذا الرقم في المواد المنشورة رسميًا من الشركة خلال إعداد هذا الدليل، لذا استُبعِد عمدًا هنا بدل تكراره كحقيقة. الادعاء الأكثر أمانًا والمؤكَّد بالكامل هو الأبسط: لبنان غير مذكور إطلاقًا في التقرير الذي نشرته Brand Finance فعليًا لعام 2025.
الملكية العائلية تضيف مشكلة توارث فوق ما سبق
الملكية العائلية تُفاقم فجوة العلامة التجارية. وضعت أبحاث PwC للشركات العائلية في الشرق الأوسط مرارًا حصة الشركات العائلية المملوكة أو المُدارة عائليًا في المنطقة فوق 80%، رغم أن هذا الرقم بالتحديد تعذّر التحقق منه بشكل مستقل على موقع PwC نفسه خلال إعداد هذا البحث، وينبغي التعامل معه كتقدير قطاعي متداول لا كإحصائية جديدة موثَّقة. ووجدت دراسة محكَّمة تركز على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نُشرت في المجلة الدولية للأسواق الناشئة، أن مدى شعور الجيل التالي من العائلة بالانتماء إلى الشركة يتنبأ باستعداده لتولّي القيادة أكثر مما كان يُفترَض سابقًا، وأن أفراد الجيل التالي من الإناث أكثر ميلًا للتدخل تحديدًا حين تكون الشركة متعثرة.
النمط العملي الذي يتبع ذلك، والموثَّق جيدًا في أدبيات الشركات العائلية عمومًا حتى وإن كانت الأبحاث اللبنانية المتخصصة محدودة، هو أن التوارث غالبًا ما يكون اللحظة التي تحدث فيها إعادة بناء فعلية للعلامة التجارية، مدفوعة برغبة الجيل الجديد في ترك بصمة واضحة، لا بقرار استراتيجي مدروس حول ما يجب أن تمثله العلامة التجارية لاحقًا. إعادة بناء العلامة التجارية بسبب دور من في القيادة أمر مختلف عن إعادة بنائها بناءً على الوجهة الفعلية للشركة، والأمران يختلطان بما يكفي ليستحقا الإشارة إليهما صراحة.
ما تُخطئ فيه أدلة أخرى حول هذا الموضوع
البحث عن تغطيات موجودة لموضوع العلامات التجارية اللبنانية يكشف مشكلة مألوفة: إحصائيات واثقة بلا مصدر حقيقي خلفها. أحد أدلة الوكالات ينسب ادعاءً بأن لبنان مُصدِّر رائد للمواهب الإبداعية مع "ميزة تكلفة تتراوح بين 40 و60% مقارنة بدبي" مباشرة إلى "بيانات البنك الدولي، 2024"، وهو استشهاد لا يقابل أي شيء ينشره البنك الدولي فعليًا. دليل آخر يستشهد بنسب تحديدية لارتفاع قيمة العلامة التجارية، زيادة اكتساب بنسبة 15-30%، وانخفاض في حساسية السعر بنسبة 25-50%، مرتبطة بدراسات حالة محلية مُسمّاة دون أي دراسة أو منهجية ظاهرة خلفها على الإطلاق.
لا يعني ذلك بالضرورة أن النصيحة الأساسية خاطئة، لكنه يعني أن الأرقام لا ينبغي الوثوق بها لمجرد أنها محددة. يعتمد هذا الدليل على بيانات الويبو والبنك الدولي مباشرة بدلًا من ذلك، ويوضّح ذلك صراحةً في أي موضع لا تدعم فيه البيانات المتاحة ادعاءً محددًا، بما في ذلك إحصائية الشركات العائلية أعلاه، ورقم "122" المتداول لـ Brand Finance.
ماذا يعني هذا فعليًا لشركة لبنانية
لا شيء من هذا يعني أن العلامة التجارية غير مهمة لشركة لبنانية، أو أن بناءها لا يستحق التكلفة. بل يعني أن الحجة الداعمة للاستثمار فيها يجب أن تُبنى وفق شروطها الخاصة في سوق لا تصمد فيه الافتراضات المعتادة بشكل موثوق، أن التسجيل الرسمي تلقائي، وأن علامة وطنية قوية تدعمك، وأن التوارث يأتي طبيعيًا مصحوبًا باستراتيجية علامة تجارية واضحة. الشركات التي تتعامل مع الهوية التجارية وتسجيل العلامة كأصول حقيقية، لا كإنفاق اختياري لسنة جيدة، تعمل ضد الوضع الافتراضي للسوق، لا معه.
بالنسبة لشركة تجاوزت مرحلة النجاة وتخطط فعليًا للنمو، نقطة الانطلاق العملية بسيطة: سجّل الاسم والعلامة رسميًا، وابنِ أي عمل على الهوية البصرية على قرار تموضع فعلي، وإذا كان هناك انتقال جيلي قادم، حدّد ما يجب أن تصبح عليه العلامة التجارية قبل تحديد شكلها.
طلبات تسجيل العلامات التجارية مقارنةً في المنطقة
طلبات تسجيل علامات تجارية، 2024
إجمالي طلبات تسجيل العلامات التجارية في مكتب الملكية الفكرية الوطني لكل بلد في 2024، أوضح مقياس متاح لعدد الشركات التي تُسجّل علامتها التجارية رسميًا.
- الإمارات41150
- الأردن10627
- لبنان2033
| الفئة | القيمة (طلبات تسجيل علامات تجارية، 2024) |
|---|---|
| لبنان | 2033 |
| الأردن | 10627 |
| الإمارات | 41150 |
يملك الأردن ضعف عدد سكان لبنان تقريبًا، كما يدفع اقتصاد الإمارات التجاري وإعادة التصدير الأكبر حجمًا نحو رقم أعلى — وحتى مع احتساب فارق الحجم، يحتل معدل التسجيل في لبنان المرتبة 125 عالميًا. المصدر: منظمة الويبو، "الملف الإحصائي القُطري للملكية الفكرية 2024" (لبنان، الأردن، الإمارات)، قاعدة بيانات إحصاءات الويبو، محدَّثة في يونيو 2026.
أسئلة شائعة
تريد علامة تجارية مبنية لتدوم فعلًا؟
تساعد أرانبيس الشركات اللبنانية على بناء هويات تجارية على أساس حقيقي، تموضع، وتسجيل، ونظام يصمد خلال النمو والتوارث، لا مجرد شعار.
تحدث مع أرانبيساستراتيجية. تصميم. تقنية.
فريق واحد. عملية واحدة. نتائج حقيقية.
تبحث عن قراءات أقصر وأسرع بدلاً من ذلك؟
استعرض المقالات